من أخطاء التفكير

يوليو 10, 2008

“ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)

كتبت في التدوينة السابقة عن هذه الآية دعوت من يمر عليها بأن يتدبرها لعلنا نقف قليلا لنتساءل في آليات التفكير لدينا ونقف على جانب من جوانب قصور تفكيرنا لعلنا نصلح من أهم عملية يقوم بها الفرد ،وأؤكد بأنها أهم عملية ، ولكن للأسف في الأغلب نجد التهميش لهذه العملية التي كرم الله بها الإنسان وميزه عن بقية الخلائق سواء كان هذا في البيت أو المدرسة أو المسجد أو الدولة أي المجتمع بكل مستوياته ولا أعلم هل كان التهميش عن قصد أو بغير قصد !

هذه الآية العظيمة أشار إليها الدكتور عبد الكريم بكار في كتابه :نحو فهم جديد للواقع ، في سطرين كان لها بالغ الأثر على نفسي وكما قلت جعلتني أعيد حساباتي نحو أمور كثيرة .

بدءاً لنفصل الآية : (ثم أورثنا الكتاب) نعمة عظيمة ، أورثه لمن : (الذين اصطفينا) فيها تكريم واختيار وتمييز، اصطفى من: (من عبادنا)شاملة كل العباد، من هم عباده : (فمنهم ظالم نفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) كل هؤلاء ، ( فمنهم ظالم لنفسه) ظلم نفسه بالمعاصي،ولكن لماذا بدأ به ! ( ومنهم مقتصد ) أي اقتصد في أمور دينه ، و( ومنهم سابق بالخيرات) أي الصالح .

لماذا بدأ الله بذكر الصفة المشتركة بين هؤلاء (بأنهم عباده)؟

لماذا بدأ الله بالظالم لنفسه ؟

أشعر بأن عقولنا قادرة على البحث عن السلبيات والتقاطها أكثر من قدرتها على ايجاد الإيجابيات ،وقدرة عقولنا أيضا على التركيز على الأمور المختلفة أكثر من قدرتها على إيجاد الأمور المتشابهة ، لذلك نحن دائما في صراع غير منتهي بسبب هذا القصور في تفكيرنا ،نجد أن مجتمعاتنا مفككة مفتتة وهي في أحوج ماتكون إلى الوئام والوفاق والتعاون .هذا القصور أثره كان بالغا على حياتنا على مختلف مستوياتها ، جعل نظرتنا قاصرة وأصابنا بعمى ألوان حاد لا يرى فيه إلا اللونين الأبيض والآسود مهملا كل مابينهما من ألوان جملية ، جعلنا أيضا على ثقة كبيرة بأفكارنا وبالتالي نستهجن كل فكرة مختلفة أو معارضة لها .

أليست لفتة عظيمة تحتاج منا إلي وقوف متدبر متأني عندما بدأ الله تعالى بالظالم لنفسه ، رغم أنه عاصي ظلم نفسه بكثرة المعاصي ، الذي دائما الصالح بسبب قصور عقلي يستحقره ويكاد يخرجه من الملة ! لكنه في هذه الآية استحق أن يكون من عباد الله وأنه نال كما نال المقتصد والسابق إلى الخيرات كرامة الاصطفاء رغم التباين والفرق الواضح بينهم  !

أخيرا نحن ندعي دائما أننا نتبع القرآن ونتدبره ولكن أيضا بسبب ثقتنا الكبيرة بأفكارنا وتفكيرنا تجعلنا ننصرف عن إشاراته العميقة التي تدعو للتفكر والتي لو تدبرناها قد نصل إلى حلول لكل أنواع القصور في تفكيرنا وبالتالي نفكر في حلول صحيحة لمشكلاتنا المتأزمة

Entry Filed under: عام. .

8 Comments Add your own

  • 1. منال  |  يوليو 12, 2008 at 1:03 ص

    أذكر أني قبل فترة سمعت محاضرة للدكتور عمر عبدالكافي يقول فيها [ننا عندما نشير لاحدهم بالسبابة بنقيصة فانه يجب أن نتنبه الى ان هناك ثلاثة أصابع نشر بها الى انفسنا ..
    المجتمع يعيش ماساة فكرية عميقة .. غفل الكثير بان القران لم يتتبع اسلوب تحجير العقول الذي ينتهجه البعض …
    قرات ما كتبه الدكتور عبدالكريم في كتابه في هذه الاية اذكر اني تاثرت كثيرا بها .. كم هم رائعون اولئك الذين يكتبون في عمق القضية ويعيشون واقعا نعيشه بدلا من التغافل عنه ورفع الصوت بالتنديد والزجر متعامين عن التغيرات التي يعيشها المجتمع ..

    رد
  • 2. iNdo0o  |  يوليو 14, 2008 at 1:23 ص

    عجيب ،،

    و مازال للقرآن في كل آيه و في كل معني اشارات و دلائل تتكشف للعيان عند كل زمن فسبحان الله ،،

    عزيزتي خلود جميل ما طرحتيه في هذه التدوينه و التي تدعونا للتفكر ،، بصرنا الله و اياك بصالح الامور ،،

    رد
  • 3. أبو المهند  |  يوليو 28, 2008 at 7:00 ص

    أسأل الله أن يجعل لك من أسمك نصيبا
    فأنت تستحقينه

    رد
  • 4. مدونة محمد  |  اغسطس 3, 2008 at 3:24 ص

    فعلا،
    كم مرة قرأت هذه الاية ولم أنتبه لما تقصدينه،
    الكثير لا يجد حرجا في تكفير شخص لسبب في نظره، كما يقوم اخرون بإخراج الشخص من رحمة الله و يحكمون عليه بالنار !
    رحمة الله وسعت كل شيء،
    اللهم تجاوز عنا.

    رد
  • 5. ودّ  |  اغسطس 15, 2008 at 2:16 م

    جزاك الله خير ..
    أحب د.عبدالكريم بكار .. كثيراً
    بأسلوبه وإتقانه

    .. حين نقول إهدنا الصراط المستقيم .. كل يوم في كل صلاة .. فهي أيضاً طلب للهداية ونحن من العباد ..
    الله يهدينا وإياكم ..

    جعله الله في ميزان حسناتك ..
    أستريح هنا في هذا المكان خلود :)
    شكرا من القلب

    رد
  • 6. دندون  |  سبتمبر 19, 2008 at 8:22 م

    ما يحز في نفسي أننا نحن أهل اللغة العربية لغة القرآن ولكننا لا نكاد نفهمه أو نتدبره حق تدبره إلا بمساعدة التفاسير ، فنقرأ كتاب الله مجرد قراءة دون الوقوف بتمعن عند معانيه العظيمة.

    شكرا يا خوخة على الموضوع الرائع
    اللهم اجعلنا ممن يتدبر القرآن ويحيا به…قولوا آمين

    رد
  • 7. فردوس  |  أكتوبر 14, 2008 at 11:24 ص

    فعلاً تدبر القران هو حل لكل إشكال نقع فيه
    أليس القران هو شفا ء ؟

    لكن اين نحن من هذا التدبر ؟

    بوركتٍ إينما كنتِ

    رد
  • 8. ديم  |  يناير 23, 2009 at 6:11 م

    سبحان الله..
    جميل هو التفكير في أعماق الآيات..
    د.عبدالكريم بكار أتذكره من أيام الثانوية، لكن لم أكن أستوعب مايكتبه تماما!
    أما الآن فتستهويني كتبه كثيرا..
    زاده الله علما وفضلا

    أول زيارة لي هنا..
    وأجد مدونتك تماما كما أعرف عنك.
    زادك الله من فضله

    رد

Leave a Comment

Required

Required, hidden

Some HTML allowed:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <pre> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Trackback this post  |  Subscribe to the comments via RSS Feed


Calendar

يوليو 2008
السبت الأحد الأثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة
« يونيو   أغسطس »
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728293031  

Most Recent Posts