من أخطاء التفكير

“ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)

كتبت في التدوينة السابقة عن هذه الآية دعوت من يمر عليها بأن يتدبرها لعلنا نقف قليلا لنتساءل في آليات التفكير لدينا ونقف على جانب من جوانب قصور تفكيرنا لعلنا نصلح من أهم عملية يقوم بها الفرد ،وأؤكد بأنها أهم عملية ، ولكن للأسف في الأغلب نجد التهميش لهذه العملية التي كرم الله بها الإنسان وميزه عن بقية الخلائق سواء كان هذا في البيت أو المدرسة أو المسجد أو الدولة أي المجتمع بكل مستوياته ولا أعلم هل كان التهميش عن قصد أو بغير قصد !

هذه الآية العظيمة أشار إليها الدكتور عبد الكريم بكار في كتابه :نحو فهم جديد للواقع ، في سطرين كان لها بالغ الأثر على نفسي وكما قلت جعلتني أعيد حساباتي نحو أمور كثيرة .

بدءاً لنفصل الآية : (ثم أورثنا الكتاب) نعمة عظيمة ، أورثه لمن : (الذين اصطفينا) فيها تكريم واختيار وتمييز، اصطفى من: (من عبادنا)شاملة كل العباد، من هم عباده : (فمنهم ظالم نفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) كل هؤلاء ، ( فمنهم ظالم لنفسه) ظلم نفسه بالمعاصي،ولكن لماذا بدأ به ! ( ومنهم مقتصد ) أي اقتصد في أمور دينه ، و( ومنهم سابق بالخيرات) أي الصالح .

لماذا بدأ الله بذكر الصفة المشتركة بين هؤلاء (بأنهم عباده)؟

لماذا بدأ الله بالظالم لنفسه ؟

أشعر بأن عقولنا قادرة على البحث عن السلبيات والتقاطها أكثر من قدرتها على ايجاد الإيجابيات ،وقدرة عقولنا أيضا على التركيز على الأمور المختلفة أكثر من قدرتها على إيجاد الأمور المتشابهة ، لذلك نحن دائما في صراع غير منتهي بسبب هذا القصور في تفكيرنا ،نجد أن مجتمعاتنا مفككة مفتتة وهي في أحوج ماتكون إلى الوئام والوفاق والتعاون .هذا القصور أثره كان بالغا على حياتنا على مختلف مستوياتها ، جعل نظرتنا قاصرة وأصابنا بعمى ألوان حاد لا يرى فيه إلا اللونين الأبيض والآسود مهملا كل مابينهما من ألوان جملية ، جعلنا أيضا على ثقة كبيرة بأفكارنا وبالتالي نستهجن كل فكرة مختلفة أو معارضة لها .

أليست لفتة عظيمة تحتاج منا إلي وقوف متدبر متأني عندما بدأ الله تعالى بالظالم لنفسه ، رغم أنه عاصي ظلم نفسه بكثرة المعاصي ، الذي دائما الصالح بسبب قصور عقلي يستحقره ويكاد يخرجه من الملة ! لكنه في هذه الآية استحق أن يكون من عباد الله وأنه نال كما نال المقتصد والسابق إلى الخيرات كرامة الاصطفاء رغم التباين والفرق الواضح بينهم  !

أخيرا نحن ندعي دائما أننا نتبع القرآن ونتدبره ولكن أيضا بسبب ثقتنا الكبيرة بأفكارنا وتفكيرنا تجعلنا ننصرف عن إشاراته العميقة التي تدعو للتفكر والتي لو تدبرناها قد نصل إلى حلول لكل أنواع القصور في تفكيرنا وبالتالي نفكر في حلول صحيحة لمشكلاتنا المتأزمة